معركة مطار أنتونوف

في عام 480 قبل الميلاد وقف عدد من المقاتلين الإغريق عند ممر ثرموبايلي Thermopolae الضيق الواقع بين البحر والجبال شمال أثينا، في وجه جيش إمراطورية فارس الهائل. حيث قاتل حتى النهاية الحتمية 300 مقاتل، جلهم من دولة سبارتا القديمة كما نقلت لنا كتب التاريخ يتصدرهم ملكهم ليونايديس، ببسالة أسطورية مازالت تلهمنا إلى اليوم. ومع أن تفاصيل المعركة لم تكن بتلك الصورة الملحمية التي نقلها لنا المؤرخون والشعراء والسينمائيون، ومع أن الإغريق خسروا المعركة في النهاية وخسروا ممر ثرموبايلي الضيق، ومع ان قوات ومع أن قوات الامبراطور خشايارشا الأول Xersis I استمرت بالتقدم حتى دخلت أثينا منتصرة، ومع أن النصر كان واضحا على المستوى التكتيكي في تلك المعركة وبنسبة أقل على المستوى العملياتي، إلا أن تلك المعركة كانت انتصارا استراتيجيا للاغريق. فقد تجنب الاغريق في تلك المعركة خسارة مبكرة وجنبهم التقهقر، وأعطهم وقتا كافيا لإجلاء السكان عن المدن، لا سيما عن أثينا، وكذلك الوقت الكافي لاجلاء السفن. وكسروا افتراضا خطيرا روجت له القوى المغيرة، مفاده أن المقاومة عبثية وأن الامبراطورية لا تهزم…

يقول الكاتب مارك توين Mark Twain : “لا يكرر التاريخ نفسه، لكن أحداثه تتناغم.”

فجر 24 شباط/فبراير 2022، وبعد دقائق قليلة من إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن بدء “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا، والتي أصبحنا نعلم فيما بعد أنها تعني اجتياح كامل الأراضي الأوكرانية، انطلقت صواريخ كروز من طراز 3M-54 لتضرب بعد دقائق حوالي الساعة 6:00 القاعدة 3018 التابعة للحرس الوطني الأوكراني في بلدة هوستوميل Hostomel على بعد 10 كم من مدينة كييف. وهي القاعدة العسكرية قرب مطار هوستوميل الدولي Hostomel International Airport المخصص لنقل البطائع الذي يتميز بمدرج بطول 3.5 كم عريض ومن الاسمنت المسلح القادر على تحمل الأوزان الكبيرة جدا.

في غضون بضعة ساعات من الضربة الصاروخية، سيكون المطار مسرحا لإحدى أكثر المعارك ملحمية وأثرا منذ بداية المواجهات بين روسيا وأوكرانيا عام. 2014 والتي تفاقمت منذ بداية الاجتياح الروسي لأوكرانيا ذلك اليوم.

يدافع عن المطار 200 مجند يؤدون خدمة العلم في قاعدة الحرس الوطني المستهدفة. لحسن الحظ كان المجندون قد أصبحوا في أرض المطار الذي لم يتّضح بعد لأحد أنه جحر الزاوية التكتيك الروسي لهذه العملية العسكرية. لِمعظهم مهام غير قتالية مثل الاطفاء، والأعمال الإدارية، والحراسة، وبدون اي خبرة في المعارك والقتال بالرصاص الحي.

تمركز الـ 200 مجند بقيادة فيتالي رودينكو Vitali Rudinko بمجموعات صغيرة من 10 – 12 أفراد في مواضع دفاعية جنوب المطار في المطار مسلحين بالسلاح الفردي، مضادات الطائرات المحمولة 9K38 IGLA المتعقبة للحرارة وتمركز 20 مجندا مسلحين بالرشاشات المضادة للطائرات Zu-23-2 في شمال المطار لحماية المدرج. وقاموا بركن الشاحنات العسكرية التي نقلتهم من القاعدة العسكرية وشاحنات وقود عسكرية بمسافات متساوية على المدرج كإجراء احترازي، وبدون اية دراية أو معلمومات أو تصور عن المهمة المستحيلة التي تنتظرهم أو عن الخطة الروسية التي تستهدفهم. فجميع الأدلة المتوفرة لدى القيادة الأوكراني كانت تشير إلى أن العملية العسكرية الروسية ستركز على منطقة الدونباس Donbas شرق أوكرانيا.

في الساعة 9:00 وعلى بعد 170 كم شمال مدينة هوستوميل، انطلقت مجموعة كبيرة من طائرات الهيليكوبتر الروسية من مطار بوكوف البيلاروسي جنوبا عبر الحدود البيلاروسية-الأوكرانية لتعبرها تباعاً الساعة 9:30 على علو منخفض تجنبا للرادار ومحتضنة لمجرى نهر دنبرو Dnipro على ارتفاع قليل من سطح الماء. تضمنت المجموعة المغيرة ما لا يقل عن 34 طائرة 20 منها لنقل الجنود من طراز Mi-8s تحمل قوات مجوقلة تحميها 10 طائرات هليكوبتر هجومية من طراز K-52s الحديثة وطائرات هليكوبتر إضافية من طراز Mi-24s و Mi-28s الأقدم. حملت هذه الطائرات حوالي 300 جلهم من اللواء 31 حرس جوي، ومن اللواء 45 القوات الخاصة. يعتبرون جميعا من قوات النخبة الروسية ذائعي الصيت في الأوساط العسكرية.

وما إن وصلت أولى الطائرات إلى محطة توليد الطاقة الكهرومائية شمال كييف حتى انحرفت غرباً عن مسار النهر ووجهتها المطار، لتتبعها الطائرات واحدة تلو الأخرى على مرأى من سكان المنطقة والجنود المرابضين عند محطة توليد الطاقة تلك، غير المدركين بعد لهذه العملية ولا للخطة الروسية المحكمة ولا للاستراتيجية الروسية الكبرى التي وضعها إخضاع أوكرانيا في بضعة أيام هدفا نهائيا لها. فتح الأوكران النار على الطائرات بما لديهم من سلاح واستطاعوا اسقاط طائرة في الماء وإجبار أخرى على الهبوط الاضطراري. لكن جل القوة المهاجمة وصلت في مجموعتين إلى شمال المطار للسيطرة على الرادار حيث تمركز الـ 20 مجند مع رشاشاتهم المضادة للطائرات وجنوبه حيث عنابر الطائرات والأبنية والثكنات الملحقة بالمطار وحيث توزع الـ 180 مجند الباقون بسلاحهم الخفيف وقاذفات IGLA المصممة عام 1971. لتبدأ معركة المطار في تمام الساعة 11:00.

قبل المعركة، في مقر إدارة العمليات العسكرية الأوكراني وبعد دقائق قليلة 9:30 من سطع طائرات الهيليكوبتر شمال مدينة كييف أدرك القادة الأوكرانيون، صغيرهم وكبيرهم، أبعاد الخطة الروسية، وأدركوا بنفس الوقت خطأ تقديراتهم وفداحة الكارثة المحدقة. هذه ليست المرة الأولى التي يرى فيها القادة ذوو الخبرة في العقيدة الحربية والتكتيكات العسكرية السوفييتية والروسية هذا التكتيك. فهي الخطة ذاتها التي استخدمها السوفييت لقمع ربيع براغ 1968 والتي استخدمها الجيش السوفييتي لاحتلال كابل 1979 وكذلك التي استخدمها الروس لإكمال احتلال شبه جزيرة القرم الأوكرانية عام 2014.

يمكن اختصار الخطة الروسية بعملية عسكرية خاصة من ثلاث مراحل، تقوم القوات المجوقلة الخاصة في مرحلتها الأولى باحتلال المطار وتأمين محيطه وفتح المدرج لبداية المرحلة الثانية حيث تقوم طائرات النقل العسكري بنقل 1000 مقاتل مع مدرعاتهم إلى المطار بهدفا احتلال كييف وقتل أو خطف أو إخضاع قياداتها السياسية والعسكرية ولتصل القوات البرية في مرحلتها الثالثة نهاية ذات اليوم واصلة خطوط الإمداد بين القوات الروسية في كييف وخطوط الامداد في دولة بيلاروسيا. مجبرة أوكرانيا في النهاية على الاستسلام العسكري وعلى تنفيذ الشروط الروسية مهما كانت. وهكذا تنتهي الحرب في ثلاثة أيام بسرعة خاطفة ويسجل بوتين اسمه في التاريخ الروسي كقائد أعاد إلى روسيا أمجادها وسمعتها وبسط سيطرتها على أوكرانيا مهد حضارتها والتي خسرها الاتحاد السوفيتي بعد انحلاله.

لا يفصل الرئيس الروسي عن بروجِ العَلاءِ وعالي السناءِ الآن سوى 200 مجنّد مختصين بإطفاء الحرائق وحراسة البوابات والأعمال المكتبية البيروقراطية، شاءت الأقدار أن تضعهم عثرة في وجه السيل الجارف.

أصدرت الإدارة العسكرية الأوكرانية الأوامر بسرعة للقوات القريبة لإنقاذ المطار وكييف وأوكرانيا مرسلة اللوائين 80 و95 المجوقلين من مدينة جيتومر Zhytomr واللواء 72 الممكنن من مدينة بيلا تسيركفا Bila Tserkva التي بدأت بسرعة المسير إلى هوستوميل Hostomel بمساعدة المدنيين الذين ساهموا في نقل القوة اللواء والذخيرة فيما سماه قائد اللواء يومها بمسير الحياة. لكن هذه القوات لن تبدأ بالوصول إلى المطار حتى الساعة 13:00.

بدأت معركة المطار الساعة 11:00 بإغارة طائرات الهيليكوبتر الهجومية على المدافعين جنوب المطار مستخدمين الصواريخ غير الموجهة والرشاشات، مركزين نيرانهم على أبنية المطار. بنفس الوقت فتح المدافعون النار من كل اتجاه على الطائرات، ليسقطوا طائرة هليكوبتر هجومية K-52s بصاروخ IGLA لتنفجر على المدرج، تبعتها طائرتان من الطراز نفسه وكذلك طائرة من طراز Mi-24s جنوب المدرج، وأخرى من طراز Mi-8s كانت تحاول الهبوط لإنزال الجنود. شدة المعركة وكثافة النيران والدخان الأسود المتصاعد من المباني والطائرات والشاحنات المحترقة أخّر إنزال القوات الجوية على متن طائرات Mi-8s المتبقية.

على وقع الضربات، ومع نفاذ صواريخ IGLA تراجع من بقي من المجندين الأوكران جنوب المطار للاحتماء بالأبنية والأشجار، ما سمح لطائرات النقل الجوية بالهبوط وبدء الانزال، شمال المدرج ليسيطروا على الرادار وليقع أوائل المقاتلين الأوكران في الأسر. واستمر هبوط المقاتلين الروس على أرض المطار واستمروا بدفع الأوكران بعيدا عن المدرج.

استمرت المعركة في الأبنية جنوب المطار، وبسبب شراسة الهجوم وخبرة المهاجم ونفاذ الذخيرة انسحب من بقي من المجندين إلى بعيدا إلى محيط المطار.

.وارتفع العلم الروسي على مبنى المطار تمام الساعة 13:00. بعد اكثر من ساعة ونصف من تقديرات الخطة الروسية المحكمة. انتصر الروس في هذه المعركة الصغيرة ودحروا الأوكرانيين. لكن صمود هؤلاء المجندين الـ 200 لمدة ساعتين كاملتين كانتا كافيتين لتغيير مجرى التاريخ. فخلال هتين الساعتين بدأت التعزيزات الأوكرانية بالوصول إلى محيط المطار.
تباعا لتهاجم المعتدي الروسي بما لديها…

توقف القتال لبعض الوقت، وبدأ الروس بمحاولة إخلاء المدرج من الركام…

في هذه الأثناء، وحسب المرحلة الثانية من الخطة انطلقت 18 طائرات النقل الروسية IL-76 من مطار بوسكوف العسكري الروسي على بعد 800 كم شمال كييف، تقل 1000 جندي روسي بالمجموع من اللواء 76 حرس جوي المعروفين بالجاهزية العالية إلى وجعهم مدرج مطار هوستيميل على بعد ساعتين من الطيران.

وكذلك أصبحت القوات البرية التي بدأت الاجتياح في وقت مبكر من نفس اليوم منطقة تشيرنوبيل الخالية من السكان والتي تم اخلاؤها خوف على صحة سكانها منذ عقود بعد كارثة المفاعل النووي هناك.

في الساعة 15:00 وما إن اكتمل حصار المطار أعطى زيلينسكي الأمر بتحرير المطار. لتضرب المدافع نيرانها مستهدفة المدرج المميز وملحقة الضرر البالغ فيه في كل موضع ومخلفة وراءها حفر القذائف في أرضه. لا تستطيع طائرات النقل الهبوط على المدرجات إلا إن كانت سليمة ملساء. مع كل قذيفة دكت المدرج، تضاءلت حظوظ العملية الروسية وحظوظ خطة بوتين الاستراتيجية. أجبر الروس على إلغاء عملية الانزال الجوي بعد أن قطعت طائرات IL-76 ثلثي الطريق وهبطت بالجنود الألف في مطار ما في بيلاروسيا.

أصبح الأمل الوحيد الآن لدى القوة الروسية المرابضة في المطار في وصول القوات البرية الممكننة من الشمال. ما لم يعلمه المقاتلون الروس بعدهو أن القطار الطويل من المدرعات تعثر مسيره إذ دخل في كابوس لوجستي جنوب تشيرنوبيل، حيث استطاع الجنود الأوكرانيون هناك توجيه ضربات قاسية للمدرعات والدبابات الروسية في كمائن محكمة على طول الطريق… لن تصل القوات البرية المطار حتى صباح اليوم التالي.

في الساعة 21:00 وبعد قتال عنيف، عاد المطار بكامله إلى اليد الأوكرانية. انتهت معركة المطار. في اليوم التالي، وصلت القوات البرية الممكننة إلى محيط المطار، لتنسحب منه القوات الأوكرانية بعد ضرب مدرجه لمرة أخيرة لإخراجه نهائيا عن الخدمة.

بعد انسحابها من المطار، أعدت القوات الأوكرانية خطا دفاعيا يمر من بلدية هوستيميل وبلدات مجاورة للدفاع عن كييف استطاع ايقاف تقدم القوات الروسية إلى كييف واستطاع تكبيدهم خسائر فادحة حتى قرر الروس الانسحاب من شمال كييف في بداية نيسان/أبريل 2022 وليعود المطار وكامل الأراضي شمال كييف وحتى حدود بيلاروسيا إلى اليد الأوكرانية.

في يوم 24 شباط/فبراير 2022، تناغمت معركة ثيرموبولي مع معركة مطار أنتونوف في بلدة هوستوميل على بعد 10 كيلومترات من العاصمة كييف. اختلف الزمان والمكان. اختلف السلاح والتكتيبك، لكن القصة والاستراتيجية الكبرى كانت متشابهة. قوة مدافعة محدودة العدة والعديد، تواجه غزوًا سريعا وصادماً من جيش دولة عظمى يريد كسرَ إرادة المدافعين، وإخضاعهم لرغبة الغزاة. وكما في ثرموبايلي، كان مطار أنتونوف المكان الذي انهارت فيه شهور من البروباغندا الروسية حول حتمية النصر الروسي وعبثية المقاومة الأوكرانية.

2500 سنة تفصل معركة ثرموبايلي عن معركة مطار أنتونوف، يا للتناغم بين الحدثين التاريخيين.

كما كانت معركة ثرموبايلي خسارة استراتيجية للفرس يمكن القول أن معركة مطار أنتونوف خسارة استراتيجية مدوية لدولة روسيا الاتحادية المعتدية كَلَّفتها وستكلِّفها الغالي والنفيس منذ ذلك التاريخ وإلى يوم كتابة هذه المقالة التي تدور في بالي منذ سنتين، حيث حطمت في مخيلة المواطن الأوكراني فكرة حتمية النصر الروسي وأعادت للقوات الأوكرانية ثقتها بالنفس وكما وجددت ثقتها برئيسها زيلينسكي الذي لم يهرب من مسرح المعارك وبقي في عاصمته في أحلك لحظاتها، حتى عندما أرسلت الولايات المتحدة طائرة لإجلائه إلى دولة آمنة قال على الهاتف لنظيره الأمريكي، لا ترسلوا طائرة لأهرب عليها، أرسلوا طائرة محملة بالسلاح والذخيرة فنحن باقون لنقاتل… ليس كرئيس هارب نعرفه.

Leave a Reply