أكرر أمام الأصدقاء والأقارب وحتى أمام المعارف أني لا أحب وسائل التواصل الاجتماعي كثيراً. أحاول تجنّبها في حياتي الخاصة قدر المستطاع، وأحاول أن أبقي بيني وبينها أكبر مسافة ممكنة، لكن الأمر لم يكن دائماً على هذا النحو.
فقد كنتُ من أوائل المستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي. أذكر إنشاء حسابي على منصة فيسبوك في عام 2006، حين كانت فكرة منصات التواصل الاجتماعي لا تزال في بداياتها. في ذلك الوقت، وجدتُ في فيسبوك وسيلة للبقاء على تواصل بالعائلة والأصدقاء ومحيطي الاجتماعي الذي تركته بقصد الدراسة في ذلك العام..
ثم جاء الربيع العربي حاملاً آمال بداية جديدة بعد شتاء سياسيّ طويل وبارد.
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما فيسبوك وتويتر، دوراً مركزياً في ذلك المنعطف التاريخي. حتى أني أكاد أجزم أنه وبدون وجود تلك المنصات، لم يكن الربيع العربي ليأتي حين أتى. اعتقدت حينها أن وسائل التواصل الاجتماعي وانتشارها نصر عظيم لحرية التعبير جاءت به الإنترنت مقبلة إلى وعدي…
اليوم، وبعد عقدين من مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي وتطوّرها، وبعد مروري بمراحل مختلفة في علاقتي معها — من مستخدم عادي، إلى مستخدم متمرّس، إلى باحث في مجال العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والمجتمعات — وصلتُ إلى مجموعة من القناعات. أقدّم هنا أولها: وسائل التواصل الاجتماعي غير متسقة مع الديمقراطية. وأقصد هنا عدم اتساقها مع الديمقراطية في الدول ذات الأنظمة الديمقراطية… ولا يمتد هذا الوصف وهذا المعنى إلى الدول الديكتاتورية أو الشمولية.. حيث يمكن القول أن وسائل التواصل الاجتماعي غير متسقة مع الديكتاتورية
حرية التعبير مختلفة عن حرية مدى الوصول
تعدّ حرية التعبير ركنا أساسيا من أركان الديمقراطية. فلا يمكن لمجتمع أن يكون ديمقراطياً إن لم يكن لمواطنيه حريّة نقد السلطة، وحرية طرح الأفكار والآراء والجدال والتداول في الشؤون العامة.. لكن ما يغفل عن بال الكثيرين هو أن مفهوم «حرية التعبير» والفهم الحديث له مختلف عن مفهوم «حرية مدى الوصول » (freedom of reach) ربما لأن المفهومين كانا متلاصقين لعدة قرون قبل أن يصبح من السهل تمييز أحدهما على الآخر.
.نشأت فكرة حرية التعبير في عالم كان «التعبير» فيه محلياً وإن أصبح رائجا كان بطئ الانتشار. حيث كان صاحب الرأي يطلق الآراء في في قاعة صغيرة أو ساحة سوق أو منبر أو عتبة ما، وانتشار الرأي في هذه الحالات محدودة. حتى لو كان الرأي مكتوبا في ذلك العصر، سواء ضمن مخطوطة أو كتاب، فقلة فقط من تستطيع الحصول على تلك المخطوطة أو قراءتها وفهم محتواها. الأمر اختلف مع اختراع الطباعة. ومن ثم اختراع التصوير الضوئي فالسينما ثم الراديو فالتلفاز، وحتى وصلنا إلى عصر الانترنت والتدوين والهاتف الذكي ووسائط التواصل الاجتماعي والترجمة الأوتوماتيكية… فقد رافق كل اختراع في هذا المضمار توسُّعٌ في «مدى الوصول» رافقها أيضا انعكاسات كبيرة على المجتمعات كلها، لا سيما المجتمعات التي تسودها حرية التعبير، وعلى السياسة ضمن تلك المجتمعات. لكن مع ذلك بقي مفهوم «حرية مدى الوصول» غير حاضر في الذهن. وبقي مختبئا وراء مفهوم حرية التعبير.
مثلا، سمح اختراع الطباعة للأفكار، بأن تنتشر بشكل أوسع وأسرع من أي وقت مضى قبل ذلك. وبالطبع سمح أيضا للاتهامات والشائعات وفكر المآمرة وخطاب الكراهية والنزعات والعصبية الدينية والعرقية ودعوات التفرقة والاضطهاد بالانتشار وباللغات المحكية لتلك المجتمعات. ولا يخفى على القارئ دور الطباعة في انتشار الهلع المرتبط بالشعوذة في أوروبا، الأمر الذي أدى في النهاية إلى اتهام الآلاف من النساء بممارسة السحر وإعدامهن بفظاعة، حرقاً أو إغراقا وهنَّ أحياء.
وكذلك كان ابتكار الراديو، قفزة نوعية في مدى الوصول، ووسيلة غيّرت التعبئة الجماهيرية بطرق كثيرة، ونذكر هنا مثلا خطابات الراديو في ألمانيا النازية وكذلك في مقابل ذلك خطابات رئيس الوزراء البريطاني تشيرشل سنوات الحرب العالمية الثانية. وسنوات الحرب الباردة التي لعب فيها الراديو دورا أساسيا في معركة القلوب والعقول. وكذلك قد يذكر القارئ كيف غير التلفزيون مظهر القيادة بعد انتشار استخدامه في الستينات من القرن الماضي وجميعنا يعي دور التلفزيون حتى إلى وقتنا هذا في انتشار الأفكار أي في مدى وصولها.
يمكن القول أن «مدى الوصول» لم يكن عاملا محايداً قط. فعلى امتداد العصور، كانت المجتمعات تهتز مع كل توسُّعٍ في مدى الوصول. ويمثل ظهور الإنترنت التواصل الاجتماعي الذي ترافق مع انتشار الهاتف الذكي، أكبر توسِّع في مدى الوصول في تاريخ البشرية. وقد نكون نعيش اليوم بسبب ذلك التفاصيل اليومية لأكبر هزّات تغير مدى الوصول، واجهتها المجتمعات البشرية إلى يومنا هذا.
فللمرة الأولى في التاريخ، من حيث المبدأ، بات بوسع أي فرد أن يتحدث مخاطبا كل الآخرين، بشكل عابر للحدود الجغرافية والسياسية، وبشكل آنيّ، وبتكلفة زهيدة وبشكل متكرر. وهذا بكل تأكيد انتصار كبير لحرية التعبير جاءت به التقانة. وهذا أمر لا بد أن نقدِّره ونعتبره إنجازاً تاريخياً ومفصلياً لواحد من أهم الحريات الفرديّة ولمقوّم أساسيّ من مقومات الديمقراطية. لكنه ترافق مع شبه إطلاق في مدى الوصول وهذا ما نقصده في «حرية مدى الوصول» أي قدرة أو حتى «حق» صاحب الرأي على نشر الرأي ليصل إلى أقصى حد ممكن. وهو بالطبع موضوع جديد على الفلسلفة السياسية، لم يكن واضحا في الماضي، ولم ينظر له الفلاسفة السياسيون عندما نظروا للديمقراطية وأركانها.
شخصيا، أجد مفهوم «حرية مدى الوصول» كارثة على الديمقراطية قد تؤدي إلى نهايتها. لأسباب أذكر أهمها أدناه.
وسائل التواصل الاجتماعي تدمّر حدود المجتمعات السياسية
تفترض الديمقراطية أن الخطاب السياسي يحدث أساساً بين أعضاء جماعة سياسية واحدة، الديمقراطية نظام تحكم فيه جماعة سياسية نفسها. ولهذه الجماعة حدود يتجادل المواطنون ضمنها ويصوّتون ويقاطعون ويتظاهرون ثم في النهاية يعيشون مع نتائج العملية الديمقراطية. تعتمد شرعية العملية الديمقراطية على أن المشاركين فيها هم أيضاً من سيعيش آثارها.
تدمِّر وسائل التواصل الاجتماعي هذه الحدود، فهي تتيح لآخرين من خارج الحدود، بمن فيهم شبكات الدعاية والاعلان، والمجموعات المؤدلجة، والنشطاء الأجانب، والروبوتات (Bots)، وكذلك أجهزة الاستخبارات الصديقة والندة والمعادية على السواء، أن يدخلوا النقاشات كما لو كانوا مواطنين ضمن الحدود.
فالمواطن البريطاني الذي يجادل شركاءه في الوطن حول خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، هو جزء من المجتمع الذي سيعيش نتيجة التصويت. لكن ناطقٍ بالانجليزية في روسيا أو إيران أو في أستراليا يمكن أن يشارك في النقاش نفسه، حتى وإن كان قاصراً، ويستطيع أن يضخِّم صوت طرف وأن يسخر من الطرف الآخر وأن ينشر الشائعات وأن يثير الغضب وأن “يساهم في تشكيل المناخ العاطفي المحيط بالنقاش”. هذا الشخص لن يصوّت في النهاية ولن يعيش النتائج المباشرة للتصويت، ومع ذلك ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، يستطيع وأمثاله المشاركة في كل ما يتعلق بالاستفتاء… إلا بالتصويت..
وكذلك الأمر في بلد صغير مثل لبنان، حيث يجد المواطن اللبناني نفسه أقلية عند نقاش أي مسألة تتعلق مثلا بسلاح المخيمات أو سلاح حزب الله، حيث يتدخل السوري، والعراقي، واليمني والفلسطيني والمصري والتونسي والإيراني الناطق بالعربية في النقاش وهم جميعا خارج حدود المجتمع السياسي اللبناني. ،يشاركون في الحوار لأن وسائل التواصل الاجتماعي تتيح مساحة عامة عابرة للحدود، بدون ضوابط.
،قد تضع اللغة حدودا لهذا التدخل العابر للحدود، وقد ترسم معالم مجتمعات سياسية مختلفة عن الحدود الدولية القائمة، وقد تلعب اللكنات دورا أيضا في ذلك، لكني أجد أن مشكلة التدخل العابر للحدود لا سيما التدخل المقصود بهدف الدفع باتجاه ما مؤهلة للتفاقم بسبب الذكاء الصنعي والتطور الهائل في مجال الترجمة والترجمة الفورية للكلمة المكتوبة أو للمحادثات الصوتية والتي تلغي هذه الحدود رويدا رويدا.
أتفق بشكل كامل مع حق التعبير. لكن هل لكل شخص على وجه الأرض حق في الوصول إلى ملايين المواطنين داخل ديمقراطية أخرى أثناء انتخابات، أو استفتاء، أو حركة احتجاجية، أو أزمة دستورية، أو نقاش حول حرب، أو مأساة وطنية؟
فهل لدولة معادية حق في المشاركة في تشكيل التكوين العاطفي لناخبي بلد آخر؟
هل لـ”إنفلونسر” أجنبي، يجلس منزله في بلد بعيد، حقٌّ في دفع الجمهور نحو التطرّف، وهو لا يخضع في بلده لمسائلة الجمهور؟
.لا أجد أنه من الصحيح أن تمتد حرية التعبير التي قد يتمتع بها كويتي يعيش في الكويت لتصل إلى المساحة السياسية التونسية وبالعكس. فالكويتي لا يعيش في تونس وحرية رأيه ليس جزءا من العقد الاجتماعي التونسي في الديمقراطية الناشئة والهشة آنذاك و…. لا داعي للتفصيل أكثر… أعتقد أن الفكرة وصلت…
لا يمكن لأهداف شركات وسائل التواصل الاجتماعي أن تتوافق مع أهداف الديمقراطية في جميع البلدان بنفس الوقت
وهناك عدة جانبان أساسيان لهذه النقطة، أوَّلها مرده اقتصادي والآخر بنيوي
فالشركات التي تدير منصات التواصل الاجتماعي الكبيرة في غالبها شركات عالمية عابرة للحدود، ذات غرض ربحي أولا، ومسؤولية إداراتها الأساسية – سواء كانت شركة متداولة في سوق الأسهم أم خاصة الملكية – هي تحقيق الربح المادي للمالكين. بنفس الوقت على هذه الشركات الالتزام بالقوانين الموضوع في البلدان التي تنشط فيها هذه الشركات، أيضا لأسباب ربحية أولا، خاصة عندما يكون ثمن المخالفة أو نتيجة تشوه السمعة أكبر من ثمن الالتزام.
فمثلا على شركة ميتا التي تملك وتدير فيسبوك وإنستاغرام وثريدز الالتزام بالقانون الأمريكي والقانون الأوروبي وقانون البرازيل وقانون الارجنتين وغيرها من البلدان حيث تريد ميتا بيع الوصول لمنصة الإعلانات الخاصة بها وتحصيل العائد المادي وتحاول الالتزام بالقوانين في تلك البلدان قدر المستطاع تجنبا للمخالفة والعقوبات. وفي ذات الوقت تحاول هذه الشركات شأنها شأن أي شركة ربحية الضغط بكافة الأساليب المتاحة لضمان إصدار الدول لقوانين ليّنة تزيل عن عاتقها المسؤولية.
يتطلب الربح المادي من هذه الشركات أن تكون ناجحة في تحقيق تفاعل عالٍ وعدد كبير من المستخدمين، ولأننا بشر، يحقق المحتوى المشحون والمؤجِّج لمشاعر الغضب التفاعل الأكبر. وفي حين تحتاج السيرورة الديمقراطية إلى التروي والهدوء والفهم الدقيق للحالة والثقة والمصداقية، تعتمد هذه المنصات في نجاحها على جذب الانتباه والسرعة والاسراع وأخذ القصص خارج السياق وبث الشائعات. قد تقوم الشركات بالتراجع قليلا عن هذه المتطلبات أثناء الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا أو منع نوع من أنواع خطاب الكراهية في ألمانيا، لكنها لا تستطيع أو على الأقل لا ترغب أن تفعل ذلك في كل الدول وأثناء كل انتخابات في كل الوقت لوجود هذا التضارب في المصالح.
أيضا ليس لهذه الشركات واجب واضح مشترك وحيد تجاه الديمقراطية، ثم تجاه أي ديمقراطية بالتحديد؟ فلكل دولة، حتى الديمقراطية منها، خصوصياتها، فتختلف فيما بينها بالتاريخ، والصراعات الداخلية فيها، ونقاط الضعف، وشكل المؤسسات وأولويات العقد الاجتماعي والدستور. وحتى لو استطاعت شركة تواصل اجتماعي تحقيق اتساق منصتها مع ديمقراطية بلد أو بلدين أو ثلاثة فإنه من الغاية في الصعوبة أن تستطيع تحقيق الاتساق مع الديمقراطيات جميعها في الوقت ذاته. على الأقل لا تملك هذه المنصات الحافز المادي الكافي لفعل ذلك فهذا مكلف
قد يحتاج بلد ديمقراطي يمر بأزمة حادة إلى الهدوء قبل الانتخابات. في حين تقع مصلحة المنصة المادية في التفاعل والتصعيد والتأجيج. قد يحتاج مجتمع ديمقراطي يعاني من انشقاقات شاقوليّة بين مكوناته إلى الدقة والتأني في نقل المعلومات والأخبار، في حين تقع مصلحة المنصة في التهويل والانتشار virality. قد يجد خطاب الكراهية في بلد ديمقراطي طريقه للانتشار الواسع قبل أن تتنبه له وسيلة التواصل الاجتماعي التي وقد تقوم بشكل مسؤول تقوم بالحد من مدى وصول المحتوى، لكن بعد ماذا؟ بعد أن حصل الانتشار وحصل الضرر، خاصة إن كان المحتوى ينتشر بلغة لا يكترث لها مشغلوا المنصة.
قد يكون مشغلوا المنصة يقظين لخطاب الكراهية في بلد ذو قوانين صارمة مثل ألمانيا حيث تنتظر المنصات عقوبات مادية كبيرة في حال مخالفة القوانين الأوروبية السارية، لكن لنفس المنصات حوافذ قليلة لاحترام خصوصيات الدول الديمقراطية الصغيرة حيث تكون التكلفة أكبر من الخسائر والعواقب المحتملة في حال “الإهمال”.
يعطينا رودريغو دوتيرتي في الفلبين مثالا آخر، إذ ارتبط صعوده عام 2016 ارتباطا وثيقا بالتوظيف السياسي لمنصة فيسبوك، عبر الحشود الالكترونية وشبكات التضليل المنظّم، وقد وثقت الصحفية ماريا ريسا الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2021 وموقع «رابلر» كيف أصبحت الهجمات الرقمية والدعاية والترهيب مكوّناتٍ راسخةً في المشهد السياسي هناك. ووصفت ريسا بلدها الفلبين لاحقاً بأنها نموذج مبكر لكيفية توظيف تكتيكات وسائل التواصل الاجتماعي في تقويض المعايير الديمقراطية وترسيخ النزعات الاستبدادية.
وعلى الرغم من تضارب المصالح الواضح بين الربحية والالتزام بحاجات الديمقراطية، وعلى الرغم من عدم وجود واجب واضح مشترك لجميع هذه الشركات تجاه الديمقراطيات جميعها على تنوع نكهاتها، تسمح المجتمعات الديمقراطية لهذه الجهات التحكم في مدى الوصول بشكل شبه كامل دون أي رقيب.
كذلك تتحكم شركات التواصل الاجتماعي منذ شيوعها، في مدى الوصول بشكل شبه كامل، فهي التي تقرر عبر خوارزمياتِها من يَبرُز ومن يَضمحِلّ وهي التي تقرر أي المواضيع تَنتشر وأيها تخلق الضَّجة وأيها تُكبَت. ويترك المشرعون حول العالم في يد هذه الشركات سلطة التحكم بمدى الوصول بشكل شبه كامل وعلى الرغم من ذلك ومما سبق، تطلب الدول حول العالم من هذه الشركات أن تكون حارسة للديمقراطية، في كل الدول علما أنه ليس لهذه الشركات في الكثير من الحالات أي مكاتب أو مستودعات أو أصول ثابتة أو أرباح مادية كبيرة من هذه الدول.
لذلك اقول أن لا حل لهذه المشكلة بالمطالبة بحوكمة أفضل للمنصات. نعم الحوكمة ضرورية، لكن المشكلة الأعمق هي لماذا نقبل أصلاً بتحكم شركات أجنبية خاصة على مدى الوصول لاسيما مدى وصول الخطاب السياسي ضمن البلد الديمقراطي؟ المشكلة هنا إذا هي تركَّز السلطة في المجال العام والمتمثلة في التحكم في مدى الوصول بين شركات لا يمكن أن تتسق حوافزها وولاءاتها وهياكل المساءلة فيها بالديمقراطيات كلها في نفس الوقت .
الخاتمة
حرية التعبير وحرية مدى الوصول ليستا الشيء نفسه. ورثت الديمقراطيات مبدأ حرية التعبير من عالم كان فيه مدى الوصول محدوداً. ترافق تطور تقنيات الاتصالات مع ازدياد في مدى الوصول، لتصل مدى أقصى مع وصول وسائل التواصل الاجتماعي حيث أصبح بإمكان كل فرد في العالم الوصول إلى الملايين .وعبر جميع الحدود بشكل شبه مجاني وبدون حدود تذكر. وعلى الرغم من ذلك، لم يُفحَص اتساق مفهوم حرية مدى الوصول مع الديمقراطية بجدية
برائي الحق في التعبير لا يعني تلقائيا الحق في مدى وصول غير محدود.
إذا كنا نريد الدفاع عن الديمقراطية في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، فلا بد من جعل التمييز بين المفهومين تمييزا صريحاً ولا بد من وفحصهما بدون خجل.
تمنح وسائل التواصل الاجتماعي المواطنين الأجانب، وأجهزة الدول المعادية، والغوغاء، والمجهولين، والمنصات التجارية، والروبوتات، وقريباً أدوات الذكاء الاصطناعي المتحكم بها أو ذاتية الإرادة، القدرة على التدخل في السيرورة الديمقراطية هنا أو هناك، وفي رأيي، لا يمكن لديمقراطية أن تبقى سليمة معافاة إذا ظلَّت مساحة خطابها العام مفتوحة ومعرَّضة بصورة دائمة للتلاعب من قبل أشخاص ومؤسسات ودول لا ينتمون إليها كمواطنين أو حتى كسكان مقيمين. هذا لا يعني أن الرقابة هي الحل. بل يعني أن المفردات القديمة والعبارات المعلبة الجاهزة، لم تعد كافية لتبرير حرية مدى الوصول في منصات التواصل الاجتماعي
لا يجوز استخدام حجة «حرية التعبير» كشعار كسول لتجنب مقارعة مفهوم «حرية مدى الوصول» وتبعاته. فكيف نحمي الأول ونقي المجتمع شر الثاني؟ هل تبرر حرية التعبير فعلا تبعات حرية مدى الوصول؟ لا بد من نقاش حقيقي عن هذا الموضوع لا سيما وأن التحكم بمنصات التواصل الاجتماعي هو في النهاية شأن عدد قليل من الشركات ومدرائها والعاملين فيها الذين يخضعون في غالبهم لقوانين الولايات المتحدة الأمريكية ونظامها مثلا.
كذلك لا يمكن لأهداف شركات وسائل التواصل الاجتماعي وإن كانت حسنة النية، أن تتوافق مع المصالح الديمقراطية لكل المجتمعات في الوقت نفسه، لأن تلك المجتمعات مختلفة مع أنها ديمقراطية، وتنتمي إلى ولايات قضائية وأطر قانونية مختلفة، وثقافات وتقاليد سياسية مختلفة. ستعمل المنصة العالمية في الغالب على تحسين أدائها وفق منطقها المؤسسي الخاص: النمو، والاحتفاظ بالمستخدمين، والتأثير، والبقاء القانوني، والربح. قد يتوافق ذلك أحياناً مع حاجات ديمقراطية في بلد ما، بينما لا تأبه لها في بلدان ديمقراطية آخرى.
يقول المتفائل أن المجتمعات تتأقلم دائما. وهذا صحيح، لكنه من غير الواضح بعد ما إذا كانت الديمقراطيات ستنجو بعد التأقلم. حين صُمِّمت الديمقراطية، وحددت مكوناتها الأساسية، لم يتوقع المصممون ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والإطلاق في مدى الوصول الذي رافقها. وسائل التواصل الاجتماعي بشكلها الراهن، لا تلحق الضرر بالنقاش الديمقراطي فحسب. بل هي غير متسقة مع تصميم الديمقراطية وأسباب استقرارها وبالتالي تشكل منذ ظهورها تهديدا مستمرا لها.
وللتذكير في النهاية، لا تمتد الأفكار الواردة هنا لتشمل الدول غير الديمقراطية، ففي تلك الدول لا مساحة تذكر لحرية التعبير حيث يمكن القول أن وسائل التواصل الاجتماعي غير متسقة مع الديكتاتورية… لنجد بالمحصلة أن وسائل التواصل الاجتماعي غير متسقة مع الديمقراطية ولا مع الديكتاتورية وهي بشكل عام تقنية مزعزعة (disruptive technology) للأنظمة السياسية على اختلاف أشكالها.